د. حازم الببلاوي
المصري اليوم : 12 مارس 2011
الانتخاب الفردي والانتخاب بالقائمة
ليس من المبالغة القول بأنه لايوجد نظام انتخابي مثالي،
فلكل نظام مزاياه وعيوبه، والاختيار بين نظام وآخر ليس اختياراً بين نظام صالح وآخر فاسد، بقدر ما هو ترجيح للنظام الأكثر ملاءمة لتاريخ كل بلد وتقاليده وظروفه. وهي أمور تختلف من مكان إلى آخر كما تتغير في الزمان.
ومن هذا المنطلق فإن المفاضلة بين نظام الانتخاب الفردي ونظام التمثيل النسبي عن طريق الانتخاب بالقائمة تتطلب البحث عن النظام الأكثر ملائمة لظروف مصر في هذه اللحظة. ونظراً لأن هناك اتجاهاً متزايداً بين العديد من الكتاب لتفضيل الأخذ بنظام الانتخاب بالقائمة في الانتخابات القادمة، فقد رأيت أنه قد يكون من المناسب أن أطرح بعض المبررات التي أرى أنها ترجح ـ في نظري ـ الأخذ بنظام الانتخاب الفردي في ظروف مصر الآن.
وأبدأ بالقول بأن نظام الانتخاب الفردي يقوم ـ عادة ـ على صورة أساسية، وهي انتخاب نائب واحد بين عدد من المرشحين لكل دائرة، في حين يختار الناخب في نظام القوائم إحدى القوائم الحزبية. وقد يأخذ نظام الانتخاب بالقائمة أشكالاً متعددة، وكلها تقوم على فكرة اختيار الناخب لقائمة حزبية تتضمن عدداً من المرشحين عن الدائرة الواحدة. فالملاحظة الأولى هي أن صوت الناخب في نظام القائمة لايذهب إلى مرشح بذاته وإنما إلى القائمة التي يختارها. والملاحظة الثانية هي أن القائمة الحاصلة على أغلبية الأصوات لاتحصل على كافة المقاعد لهذه الدائرة، وإنما فقط على عدد من المقاعد يتناسب مع نسبة ما تحصل عليه من أصوات. فإذا حصلت هذه القائمة على ثلثي الأصوات فإن ثلثي المرشحين في القائمة يدخلون البرلمان بحسب ترتيبهم في القائمة. ومن هنا، فإن دخول المرشح إلى البرلمان لايتوقف فقط على مدى تأييد الناخبين له في الانتخابات، وإنما أيضاً على موقعه من القائمة. فإذا كان موقعه ضمن الأسماء الأولى من القائمة فإن حظه في دخول البرلمان سيكون أكبر من زملائه في نفس القائمة والذين تجيء أسمائهم في آخر القائمة. ولذلك فإن نظام القائمة يعطي دوراً حاسماً للحزب في اختيار ممثلي الشعب في البرلمان، حيث لا ينجح بعض المرشحين ـ أحياناً ـ رغم شعبيتهم الجارفة في دوائرهم، إذا تصادف وجاء ترتيبهم متأخراً في القائمة. ويمكن معالجة ذلك بإعطاء الناخب الحق في تعديل ترتيب أو حتى اختيار مرشحيه، وبذلك يشكل الناخب قائمته الشخصية من بين المرشحين من القوائم المختلفة. وفي هذه الحالة فإن النظام، وإن كان يأخذ القائمة شكلاً، فإنه يصبح في جوهره نوعاً من الانتخاب الفردي، حيث يختار الناخب مرشحيه دون التقيد بقائمة معينة، ويكون للدائرة هنا أكثر من نائب. وتأخذ لبنان بهذا الأسلوب الانتخابي. وهو وضع يشبه النظام الحالي في مصر لترشيح اثنين من كل دائرة أحدهما من العمال والفلاحين.
وهكذا، يبدو واضحاً الفارق الرئيسي بين الانتخاب الفردي والانتخاب بالقائمة. فالانتخاب الفردي هو تعبير عن علاقة شبه شخصية بين الناخب والمرشح الذي يختاره، فهو يعرفه شخصياً أو يعرف عنه ويختاره على هذا الأساس. أما الانتخاب بالقائمة فهو يقوم على اختيار الناخب لبرنامج الحزب وبالتالي فهو يختار قائمة هذا الحزب دون أن يكون متأكداً عمن سوف يدخل فعلاً البرلمان، الأمر الذي يتحدد وفقاً لنسبة ما تحصل عليه القائمة من أصوات ومكان اسم المرشح من هذه القائمة.
وهذا الأُسلوب للانتخاب بالقائمة يكون، عادة، مقبولاً ومرحباً به في الدول ذات التراث الحزبي الراسخ، وبحيث تصبح الانتخابات منافسة بين أحزاب عريقة ومعروفة وفقاً لبرامجها الحزبية وليست اختياراً بين الأفراد لما يتمتعون به من ثقة لدى ناخبيهم. والسؤال هل بلغت مصر مرحلة تسمح لها بأن تكون الانتخابات منافسة على البرامج السياسية للأحزاب؟
للإجابة على ذلك، نتساءل هل لدينا أحزاب سياسية لها برامج سياسية واضحة ومتميزة؟
باستثناء الإخوان المسلمين، فإن الأحزاب المصرية هشة. حقاً، هناك الوفد وله تاريخ حافل، ولكنه فقد الكثير من شعبيته في العقود الأخيرة. وبالمثل فقد كان حزب التجمع يستند بدوره إلى إيديولوجية محددة، ولكنه بدوره بدد الكثير من رصيده. وهناك كذلك بقايا من الناصريين وحزب العمل، وقد كانت هذه الأحزاب أكثر انشغالاً بصراعاتها الداخلية وأجنحتها المتصارعة. وقد نشأت بعض الأحزاب الحديثة مثل الغد والجبهة الديمقراطية. و مع ذلك يظل المشهد الحزبي هشاً، بلا تقاليد مستقرة وحيث عرفت معظم هذه الأحزاب انقسامات ونزاعات داخلية لأسباب شخصية أكثر منها مواقف فكرية أو اختلافات على البرامج والتوجهات.
ومن الطبيعي، مع ثورتنا الأخيرة وفتح الباب لتكوين الأحزاب، أن ينشأ العديد من الأحزاب الأُخرى الجديدة باسم ثورة 25 يناير وتحت عباءتها، وغالباً ما سوف ترفع شعارات متعلقة بشكل أو آخر بقضايا الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية وحماية البيئة، وما شابهها من المبادئ التي قل أن يختلف حولها الناس. وأغلب الظن أن البرامج ستكون متداخلة ومتشابهة، وإن كانت الوجوه ستكون جديدة وغير معروفة تماماً للغالبية العظمى. وبذلك يصعب القول بأننا بصدد منافسة حقيقية بين الأحزاب. فالأحزاب ليست مجرد برامج تعلن، وإنما هي مواقف وتاريخ ومسئولية.
ولذلك فإن الحديث عن منافسة بين برامج حزبية في مثل هذا الإطار الجديد سيصبح، في أغلب الأحوال، مجازاً أكثر منه حقيقة. فباستثناء جماعة الإخوان التي تعرف نفسها ـ أو يعرفها الناس ـ بشكل واضح محدد، فإن الأحزاب الجديدة سوف تكون بالنسبة لمعظم المواطنين مجرد أسماء وصور دون تاريخ أو مواقف معروفة. ولذلك فإن الأخذ بنظم الانتخاب بالقائمة، في هذه المرحلة، هو استناد إلى افتراض بأن لدينا أحزاب لها برامج أو شعبية. فنحن هنا نتحدث عن أمل لم يتحقق بعد. والدول التي تأخذ بنظم القائمة تعتمد، في الغالب، على تقاليد حزبية طويلة لأحزاب لها جذور تاريخية عميقة، ارتبطت بمواقف سياسية معروفة تجاه العديد من القضايا، ولها رموز سياسية لها وقواعدها الشعبية.
ولا ننسى أن الشعب المصري لم يعرف ـ لفترة طويلة ـ حياة حزبية، وهو في نسبة كبيرة منه غير متعلم. وفي مثل هذه الأحوال، فإن مطالبة الناخب المصري باختيار قائمة مكونة من عدد كبير من المرشحين إرهاق له، وهو ربما لا يعرف الكثير عن البرامج المعلنة لكل حزب بل وقد يتأثر باسم زعيم الحزب أو باتجاه الحزب العقائدي أو شعاراته. وعلى العكس ففي حالة الانتخاب الفردي فعلى الأقل أن معظم الناخبين يختارون نائباً عنهم في دائرتهم، وهم غالباً يعرفونه معرفة شخصية، وهو مسئول شخصياً أمامهم. وبذلك يصبح الاختيار أكثر تعبيراً عن إرادة واضحة واستناداً إلى معرفة أو ثقة بالمرشح. فعلى حين يقوم نظام القائمة على "افتراض" أن هناك أحزاباً قوية ذات برامج واضحة ومختلفة مع وعي كامل من جانب الناخبين بها، فإن نظام الانتخاب الفردي يستند إلى "حقيقة" أن الناخب يعرف مرشحه وله فرصة على محاسبته شخصياً. ففي الحالة الأولى نستند إلى "افتراض" وجود حياة حزبية قوية، في حين أننا نكون في الحالة الثانية بصدد "حقيقة" وهي إمكانية معرفة الناخب بمرشحه.
ولعله من المفيد التأكيد هنا على نقطة ايجابية هامة يتميز بها نظام القائمة، وهي أن الأخذ بهذا النظام يؤدي عادةً إلى نوع من الانضباط الحزبي، بحيث يلتزم أعضاء الحزب بشكل عام بمواقف الحزب تجاه معظم القضايا المطروحة. ولكن يقابل هذه الميزة عيباً لايقل خطورة، وهو سيطرة قيادات الحزب على سلوك الأعضاء، وبما يحول ـ كثيراً ـ دون الخروج على اتجاهات القيادة الحزبية. وقد أدت هذه الظاهرة في كثير من الأحوال، إلى نوع من الجمود في الأحزاب والحيلولة دون بروز قيادات جديدة تتمتع بفكر متجدد ومخالف لمواقف قيادة الحزب استناداً إلى شعبيتهم في دوائرهم. ورغم أن تجربتنا مع الحزب الوطني تمت في ظل نظام الانتخاب الفردي، فإن سيطرة هذا الحزب على الحياة السياسية، جعلت قوائم ذلك الحزب أشبه بالقوائم في نظام الانتخاب بالقائمة. ولعلنا نتذكر من هذه التجربة مدى جمود الحزب، وحيث كانت إدارة الحزب تسيطر على النواب لأنها ـ وحدها ـ تملك حق إعادة ترشيحهم بإسم الحزب في الانتخابات التالية. ومن هنا جاء جمود هذا الحزب واستسلامه التام لإرادة قياداته، كما كانت تظهر في ايماءات كمال الشاذلي أو زكريا عزمي وأخيراً أحمد عز للنواب. وقد كان هؤلاء الأعضاء ساداتيون مع السادات، ومباركيون مع مبارك، بل وشاذليون مع الشاذلي وعزيون مع أحمد عز، وهكذا. أما في ظل الانتخاب الفردي فإن النائب يستمد قوته وشرعيته من جماهيريته ومساندة دائرته له وبذلك يتمتع بدرجة أكبر من الاستقلال في الرأي.
بقيت نقطة أو نقطتان تستحقان الإشارة، فالانتخاب بالقائمة يعطي فرصة للأقليات الحزبية للتواجد في البرلمان. وهذه ميزة لا يستهان بها، ولكنها بالمقابل قد تصبح عبئاً على الاستقرار السياسي. فمن المشاهد أن الدول التي تأخذ بالانتخاب الفردي تنتهي ـ عادة ـ إلى وجود عدد قليل من الأحزاب الكبيرة، مع وجود حزب أو حزبان مرشحان للأغلبية. وهكذا يساعد نظام الانتخاب الفردي على ظهور أحزاب قوية قادرة على الحصول على الأغلبية وبما يحقق مزيداً من الاستقرار السياسي. أما الدول التي تأخذ بالانتخاب بالقائمة فإنها تعرف ـ عادة ـ تعدداً في الأحزاب، وبحيث يكاد يندر فيها الحصول على الأغلبية وبالتالي يصعب تشكيل حكومة فيها إلا من خلال التآلف مع الأحزاب الأُخرى. فنظام التمثيل النسبي يوفر فرصة للأقليات الحزبية دخول البرلمان وكثيراً ما تكون هذه الأحزاب هي الأكثر تطرفاً. ويكفي أن تقارن الحكومات في الدول التي تأخذ بنظام الانتخاب الفردي بتلك التي تأخذ نظام القائمة. فإنجلترا ـ وهي تأخذ بالنظام الفردي ـ تعرف استقراراً سياسياً في ظل نظام للحزبين بشكل عام، وكذا الحال في الولايات المتحدة. وقارن هذا بالدول التي تأخذ بنظام القائمة حيث تكثر الأحزاب السياسية، وبالتالي يصعب تشكيل حكومة أغلبية والاعتماد بشكل كبير على حكومات الائتلاف بين عدة أحزاب للأقلية، كما في إسرائيل أو في بلجيكا.
ولعلي أضيف هنا إلى أن تجربة مصر التاريخية في الانتخابات قد استندت بشكل عام لنظام الانتخاب الفردي، وبالتالي فإن مشاكله معروفة لنا ويمكن مواجهتها، أما الانتخابات بالقائمة فهو نظام جديد على كل من الناخبين والمرشحين. كذلك فإنه يجب ألا ننسى أن المستقلين يجدون صعوبة في المشاركة السياسية الفعالة في ظل نظام القائمة. ولايخفى أنه في دولة مثل مصر لم تعرف حياة حزبية حقيقية لما يزيد على نصف القرن، فإنه ليس من المصلحة استبعاد الرموز المستقلة من الاشتراك في الانتخابات، كما أنه من الصعب توقع قيام أحزاب سياسية قوية خلال فترة قصيرة وبحيث تكون قادرة على استمالتهم إلى عضويتها، وهذا رغم أن لهؤلاء دوراً مطلوباً.
وأخيراً فلابد من الاعتراف بأن الانتخابات بالقائمة تقلل من خطورة تأثير المال على الانتخابات بالنظر إلى اتساع الدوائر الانتخابية، وهي ميزة كبيرة في ذاتها ولايمكن التهوين من شأنها، ومع ذلك فهناك دائماً أساليب لتقليل آثار المال على الانتخابات حتى في ظل الانتخاب الفردي.
وقد رأيت أن أضع هذه النقاط تحت نظر القارئ، وبما يساعد على إثراء النقاش حول هذه القضية الهامة. والله أعلم.


