بحث هذه المدونة الإلكترونية

التسميات

‏إظهار الرسائل ذات التسميات Fiqh. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات Fiqh. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 6 يوليو 2009


وقت صلاة العشاء في البلاد التي لا يغيب فيها الشفق
بقلم د. عبد الآخر حماد
- مع بداية فصل الصيف من كل عام تكثر تساؤلات المسلمين المقيمين في ألمانيا وغيرها من بلدان الشمال الأوربي بشأن وقت صلاة العشاء، حيث يتأخر موعد صلاة العشاء طبقاً للتقاويم المعتمدة في المساجد والمراكز الإسلامية بدرجة ملحوظة.
- ولا يعرف الكثيرون أن السبب في ذلك هو أن هناك فترة من السنة لا يغيب فيها الشفق الأحمر في تلك البلاد، بل يبقى إلى أن يختلط مع شفق الشروق عند طلوع الفجر.
- وحيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بين لنا أن أول وقت العشاء إنما يكون بغياب الشفق (والذي هو الشفق الأحمر عند جمهور أهل العلم ) فإنه ينتج عن ذلك أنه في الفترة الزمنية المشار إليها لا توجد علامة لدخول وقت العشاء.
- وهو أمر أدى إلى وجود قدر كبير من الاختلاف بين أهل العلم الذين تصدوا لبحث هذه المسألة بحسب ما أدى إليه اجتهادهم واختلاف عقولهم وإفهامهم.
- وبداية فإنا نقول:
- إن هذه الظاهرة (أي ظاهرة عدم غياب الشفق في بعض البلدان في جزء من السنة) هي ظاهرة معروفة من قديم.
- وقد أشار إليها كثير من السابقين في كتبهم،وعلى سبيل المثال فقد ذكر القلقشندي في صبح الأعشى (4/406) أنه ابتداء من خط عرض ثمانية وأربعين ونصف يبتدئ عدم غيبوبة الشفق في أول فصل الصيف.
تنبيه هام
- وينبغي التفرقة هنا بين المناطق التي لا يغيب فيها الشفق في جزء من السنة،وبين تلك البلاد التي تتمايز فيها أوقات الصلوات ويغيب فيها الشفق الأحمر لكنه يتأخر في بعض الفترات لدرجة ملحوظة،حتى إنه ربما يغيب في بعض البلدان قبل طلوع الفجر بقليل.
- وقد حدد قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي الصادر في 10 -4-1402 البلدان التي يحدث فيها ذلك بأنها البلدان الواقعة ما بين خطي العرض (45) درجة شمالاً وجنوباً.
- وبما أن العلامات الشرعية التي حددها الشارع لدخول أوقات الصلوات موجودة في تلك البلاد.. فإن وقت العشاء لا يدخل إلا بغياب الشفق حتى لو غاب الشفق قبل الفجر بقليل، وذلك لعموم قوله تعالى : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً).
- ولما ثبت في حديث بريدة، رضي الله عنه، من أنه صلى الله عليه وسلم، صلى المغرب ذات يوم حين غابت الشمس ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ولما كان اليوم الثاني صلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل، وأنه صلى الله عليه وسلم قال : (وقتُ صلاتِكم بينَ ما رأيتم ) [أخرجه مسلم].
تحديد مشكلة البحث
- أما ما نحن بصدد الحديث عنه هنا فهو فقط مسألة دخول وقت صلاة العشاء في البلاد التي لا يغيب فيها الشفق الأحمر بالكلية في فترة من السنة،وهي بلاد ليست بالقليلة ؛إذ قد حددها القلقشندي كما مر بأنها البلاد الواقعة فوق خط عرض ثمانية وأربعين ونصف،وحددها القرار الصادر من مجمع الفقه التابع للرابطة بأنها البلاد الواقعة ما بين خطي عرض (48) درجة و(66) درجة شمالاً وجنوباً.
- وهذا يعني أنها تبدأ من شمال فرنسا لتشمل دول شمال أوربا كبريطانيا وبلجيكا وهولندا وألمانيا وغيرها.
- وتختلف فترة عدم غياب الشفق بحسب بعد المنطقة وقربها من خط عرض 48 فكلما ابتعدت المنطقة عن ذلك الخط ازدادت المدة التي لا يغيب فيها الشفق عنها.
الأقوال الفقهية في هذه المسألة
- مجمل ما وقفت عليه في ذلك يدور حول ثلاثة أقوال :
- القول الأول : ما قاله بعض علماء الحنفية من سقوط صلاة العشاء بالكلية، لانعدام السبب الذي رتب الشارع عليه دخول وقت العشاء وذلك قياساً على سقوط فرض غسل اليدين والرجلين على من قطعت يداه ورجلاه كما ذكر ابن عابدين في حاشيته : ( 1/362).
- والحق أن القول بعدم فرضية العشاء هو قول غريب ؛لأن فرضية العشاء ثابتة بالنصوص القطعية،ولا يمكن إلغاؤها لمجرد عدم وجود علامة دخول وقت الصلاة.
- وقد رد الكمال بن الهمام هذا القياس بما ورد في شأن الدجال وأنه يمكث في الأرض أربعين يوماً : يوم كسنة،ويوم كشهر،ويوم كجمعة،وسائر أيامه كأيامكم.. "وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما سئل عن اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم ؟ قال: لا،اقدروا له".. ومعنى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قد أوجب علينا مئات الصلوات دون أن توجد علامات دخول وقتها [ شرح فتح القدير :1/224].
- والقياس على سقوط غسل اليدين أو الرجلين في الوضوء عمن قطعت يداه أو رجلاه،قياس في غاية البعد،بل هو دليل ينقلب على من استدل به كما يذكر الشيخ محمد تقي العثماني وهو عالم حنفي من علماء باكستان المعاصرين في كتابه تكملة فتح الملهم في شرح صحيح مسلم.
- حيث ذكر أن غسل هذين العضوين من شروط صحة الصلاة فلما انعدم العضوان سقط اعتبار غسلهما شرطاً.. لكن لم يسقط أداء الصلاة.. فكذلك غيبوبة الشفق كانت سبباً لوجوب العشاء فلما انعدم هذا السبب،لم نقل بسقوط الصلاة،وإنما سقط اعتبار كونه سبباً.[تكملة فتح الملهم : 6/378]
- القول الثاني : صلاة العشاء بعد طلوع الفجر،وذلك باعتبار أن وقت العشاء لا يبدأ إلا بغياب الشفق وهو لا يغيب في هذه الحالة إلا مع طلوع شفق الصبح،وهذا القول منقول عن إمام الحرمين من الشافعية،وربما ارتضاه القرافي من المالكية،كذا قال الحطاب في مواهب الجليل على مختصر خليل : (1/388).
- وهذا القول وإن كان أقرب إلى مقتضى قواعد الشريعة من سابقه إلا أنه مبني على أنه لا يجوز صلاة العشاء قبل دخول وقتها،لكنه في المقابل يُلزم المقيمين في تلك البلاد بصلاة العشاء بعد خروج وقتها،وصلاة الفريضة بعد خروج وقتها محرمة كصلاتها قبل دخول وقتها.
- بل إن صلاة العشاء قبل دخول وقتها أولى من صلاتها بعد خروج وقتها فإن صلاتها قبل دخول وقتها أقرب للجواز ؛لأننا نعلم أنه يجوز جمع العشاء مع المغرب جمع تقديم عند الحاجة،لكن لا يجوز تأخيرها عن وقتها،كما أن صلاة العشاء صلاة ليلية،وعليه فإن صلاتها ليلاً ولو قبل دخول وقتها أصح من صلاتها نهاراً والله أعلم.
- وعلى ذلك فالذي يترجح هو طرح هذا القول أيضاً والانتقال إلى القول الأخير وهو:
- القول الثالث: القول بالتقدير:-
- وخلاصة هذا القول أنه بما أن العلامة الظاهرة التي يعرف بها دخول وقت صلاة العشاء منعدمة في هذه الحالة فإن علينا أن نجتهد في تقدير ذلك الوقت.
- ومن أوضح ما يستدل به على هذا القول حديث النواس بن سمعان في ذكر الدجال حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يمكث في الأرض أربعين يوماً وقال : ( يوم كسنة.. ويوم كشهر.. ويوم كجمعة.. وسائر أيامه كأيامكم.. قلنا يا رسول الله اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم ؟ قال : لا. اقدروا له قدره ) [ أخرجه مسلم 2937].
- حيث بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنه في اليوم الذي طوله كسنة لا يكتفي بخمس صلوات،بل علينا أن نقدر لذلك اليوم قدره فنصلي فيه كما ذكر الكمال بن الهمام في شرح فتح القدير (1/224) أكثر من ثلاثمائة عصر،وكذلك بالنسبة لبقية الصلوات،فكذلك يكون الحال ها هنا والله أعلم.
- وهذا القول هو أصح الأقوال ودليله وهو حديث الدجال من القوة والوضوح كما ترى.
- غير أنه قد تباينت أقوال أهل العلم ومن تصدوا للحديث عن تلك الظاهرة حول كيفية التقدير.
- ونحن هنا نستعرض ما علمناه من الأقوال في كيفية التقدير ثم نعقب عليها باختيار ما نراه الأقرب والله المستعان.
- الطريقة الأولى : التقدير بحسب آخر يوم يتمايز فيه الشفقان، فإذا كان اليوم الذي تبدأ فيه ظاهرة عدم غيبوبة الشفق في مدينة ما هو اليوم الثاني من مايو مثلاً،فإنه بحسب هذه الطريقة يضبط وقت دخول العشاء في اليوم الأول من ذلك الشهر ويعتبر ذلك الوقت هو وقت العشاء طيلة المدة التي تحدث فيها تلك الظاهرة.
- وهذا القول هو الذي انتهى إليه المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة حيث قرر أن ((البلاد التي لا يغيب فيها شفق الغروب حتى يطلع الفجر بحيث لا يتميز شفق الشروق من شفق الغروب،ففي هذه الجهات يقدر وقت العشاء الآخرة والإمساك في الصوم ووقت صلاة الفجر بحسب آخر فترة يتمايز فيها الشفقان )).
- الطريقة الثانية : القياس على أقرب البلاد المعتدلة إليهم بأن يعتبر دخول وقت العشاء في البلاد التي لا يتمايز فيها الشفقان بغروب الشفق في أقرب بلد يتمايز فيه الشفقان إلى تلك البلاد.
- وهذا قول الشافعية،قال الإمام النووي في المجموع (3/41): "قال صاحب التتمة في بلاد المشرق نواح تقصر لياليهم فلا يغيب الشفق عندهم فأول وقت العشاء عندهم أن يمضي من الزمان بعد غروب الشمس قدر يغيب الشفق في مثله في أقرب البلاد إليهم".
- وجاء في قرار مجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي الصادر في دورته التاسعة أنه: "بالنسبة للبلاد التي لا يتمايز فيها شفق الغروب عن شفق الشروق في بعض أوقات السنة أنه يعيَّن وقت صلاة العشاء والفجر بالقياس النسبي على نظيريهما في ليل أقرب مكان تتميَّز فيه علامات وقتي العشاء والفجر.
- ويقترح مجلس المجمع خط (45) باعتباره أقرب الأماكن التي تتيسر فيها العبادة أو التمييز، فإذا كان العشاء يبدأ مثلاً بعد ثلث الليل في خط عرض (45) يبدأ كذلك بالنسبة إلى ليل خط عرض المكان المراد تعيين الوقت فيه، ومثل هذا يقال في الفجر)).
- وقال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير في فقه المالكية [1/179]: ((...وفي بعض البلاد الليل من المغرب للعشاء،فيخرج الفجر وقت العشاء،فعند الحنفية تسقط عنهم العشاء،وعند الشافعية يقدرون بأقرب البلاد إليهم،ولا نص عندنا،ولكن استظهر بعضهم الرجوع في ذلك لمذهب الشافعي كذا قرر شيخنا".
- الطريقة الثالثة: جمع العشاء مع المغرب جمع تقديم في وقت صلاة المغرب.. كما أفتى بذلك بعض المفتين في بلاد الغرب.
- ويبدو أن فكرة الجمع هذه فكرة قديمة فقد ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان أن ملك بُلغار وأهله كانوا قد أسلموا في أيام الخليفة العباسي المقتدر بالله وأرسلوا إلى بغداد رسولاً يسألون الخليفة إنفاذ من يعلمهم الصلوات والشرائع.
- وذكر ياقوت أنه وقف على رسالة كتبها رسول الخليفة المقتدر بالله إلى ملك البلغار.. وفي تلك الرسالة إشارة إلى كون الشفق لا يغيب عنهم في بعض أجزاء السنة وأنهم في تلك المدة كانوا يصلون العشاء مع المغرب في وقت المغرب.[ معجم البلدان : 1/486-487].
- الطريقة الرابعة: تقدير وقت العشاء بأنه يدخل بعد ساعة ونصف من دخول وقت المغرب قياساً على المناطق المعتدلة،وهو ما أفتى به بعض أهل العلم المقيمين في بلاد الغرب أيضاً.
- الطريقة الخامسة: أن يقدر وقت العشاء بالنظر إلى ميقات مكة البلد الحرام،كما ذهب إليه بعض من كتب في هذه القضية من الدعاة المقيمين في بلاد الغرب، وذلك بأن يتخذ الفارق بين المغرب والعشاء في مكة أساساً لمعرفة الفارق بينهما في هذه البلاد ؛باعتبار أن مكة هي أم القرى وهي قبلة المسلمين.
- المناقشة والترجيح:
- بالنظر إلى أن هذه الأقوال كلها مبنية على التقدير وليس في أي منها نص قطعي فإن ما هو مقرر من يسر هذه الشريعة الحنفية السمحة يحملنا ولا شك على القول بالتوسعة في الأمر وعدم التضييق على المسلمين.
- لكنا مع ذلك نرى أن التقديرين الأول والثاني هما أعدل التقديرات وأقواها وربما جاز لنا أن نستدل في ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم (فسددوا وقاربوا).[ أخرجه البخاري( 39) من حديث أبي هريرة ].
- فإن معنى المقاربة - كما ذكر الحافظ ابن حجر - : ( أي إذا لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه )[ فتح الباري :1/68].
- وحيث إننا لا نستطيع في حالة عدم غياب الشفق أن نلتزم بما حدده لنا الرسول صلى الله عليه وسلم من صلاة العشاء بعد غياب الشفق،فإن علينا أن نلحق وقت العشاء بأقرب ما يمكن إلحاقه به،وإن أقرب معاني المقاربة هنا تكون إما بالمقاربة الزمانية وإما بالمقاربة المكانية.
- فالزمانية تكون بالتزام أقرب يوم يتمايز فيه الشفقان وهو آخر يوم يغيب فيه الشفق.
- والمكانية تكون بأقرب مكان يتمايز فيه الشفقان.
- وأما التقدير بميقات مكة فلا أرى الأخذ به للبعد المكاني بين تلك البلاد وبين مكة،ومثله تقدير الفرق بين المغرب والعشاء بساعة ونصف،وهو الفرق في البلاد المعتدلة لنفس العلة.
- وكذلك بالنسبة للقول بجمع العشاء مع المغرب فإني أرى أنه ما دام قد أمكننا تقدير وقت معين لصلاة العشاء بأحد التقديرات السابقة فإنه من الأفضل أن يعتبر ذلك الوقت كوقت العشاء الحقيقي الذي لا تصلى العشاء قبله إلا عند الحاجة والمشقة التي تجيز جمع المغرب والعشاء حتى في غير هذه الحالة.
- وقد بين شيخ الإسلام ابن تيميه أنه حتى في حالة السفر التي يشرع فيها الجمع فإنَّ فعلَ كل صلاة في وقتها أفضل إذا لم يكن هناك حاجة إلى الجمع؛ فإن غالب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يصليها في السفر إنما يصليها في أوقاتها،وإنما كان الجمع منه مرات قليلة [مجموع الفتاوى: 24/19].
- هذا والله سبحانه أعلى وأعلم، وهو
الهادي إلى الصواب،والحمد لله رب العالمين.
- جواز تقدم الإمام أثناء الصلاة

الأحد، 24 مايو 2009

الدرس الثاني عشر في الفقه – نشأة المذاهب ونبذة عن أصحابها


جمع وترتيب راجي عفو ربه
خالد عبدالحميد الازهري
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, وبعد:


مقدمات
المذهب الفقهي: اصطلاح ظهر خلال القرن الثاني، واتضح في القرن الرابع الهجري، بعد تميز المذاهب الفقهية تماما
،
هو عند الفقهاء: الاتجاه الفقهي في فهم أحكام الشريعة والطريقة التي ينهجها المجتهد أو عدد من المجتهدين في الاستنباط، وكيفية الاستدلال، والفروع التي تضاف في ضوء أصول المذهب. المذاهب الفقهية الأربعة: ليست تجزئة للإسلام ولا إحداث تشريع جديد، وإنما هي:
1- مناهج لفهم الشريعة،
2-أساليب في تفسير نصوصها،
3-طرق في استنباط الأحكام من مصادرها الكتاب والسنة والإجماع والقياسز

الأصل هو عدم التمذهب :فمن المعلوم أن جميع أئمة المذاهب يدعون لعدم التعصب لمذهب محدد, واتباع الدليل من الكتاب والسنة لمن كان مؤهلاً لذلك, فقد كان أئمة المذاهب الفقهية حريصين على تقديم الكتاب والسنة والتحاكم إليهما، وقد صح عن كثير منهم (أي أئمة المذاهب الفقهية وتلاميذهم) أنه قال: " إذا صح الحديث فهو مذهبي ". لماذا اختلفت المذاهب ؟ وما طبيعة الخلاف ؟وأصول المذاهب تتميز عن بعضها بسبب اختلاف أصحابها في مناهج الاجتهاد والاستنباط، وليس في الأصول الكلية أو الأدلة الإجمالية. إذ المنهج الاجتهادي الخاص، واختيارات كل إمام فيما يأخذ به من الأدلة التبعية، هو الذي يميز بين "أصول المذهب" و"أصول الفقه"
. نشأة علم الفقه(1)

في عهد النبي : نشأت الأحكام الفقهية مع نزول التشريع الإسلامي في صدر الإسلام .
وفي عهد الخلفاء الراشدين كذلك قام الصحابة بأخذ الأحكام فهماً واستنباطاً وتطبيقاً من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .في عهد التابعين وبعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى لم يكن الصحابة بحاجة ماسة إلى الاجتهاد إلا في النادر؛ وذلك لصفاء نفوسهم, وصدق نيتهم وسلامة ذوقهم ومعرفتهم بأساليب اللغة العربية وفهم أسرارها, وكانوا إذا أشكل عليهم شيء اجتهد علماؤهم في ضوء الكتاب الكريم والسنة النبوية الصحيحة
فانتشر مذهب سفيان بن عيينة بمكة ، ومذهب مالك بن أنس بالمدينة ، ومذهب أبي حنيفة وسفيان الثوري بالكوفة ، ومذهب الأوزاعي بالشام ، ومذهب الشافعي والليث بن سعد بمصر ، ومذهب إسحاق بن راهويه بنيسابور ، ومذهب أحمد بن حنبل وأبي ثور ببغداد . . . وغيرها .

وبعد انتشار الإسلام وزيادة عدد أتباعه: دعت الحاجة إلى إيضاح كثير من القضايا الفقهية, فزاد الفقه بشكل واسع حتى أصبح علماً أساسياً نافعاً، وصار مورداً عذباً لبيان مقاصد الشريعة, وكيفية استنباط الأحكام من النصوص بوساطة العلماء المؤهلين المواظبين على حفظ ودراسة أصول الشريعة وفهم مقاصدها, وتعلم اللغة العربية وإتقان قواعدها.
كيف نشأت المذاهب الفقهية (2):


المدارس أو المذاهب الفقهية نشأت بصورة تلقائية نتيجة انتشار العلم وانتقال العلماء لبيئات جديدة تحتاج إلى حل مشكلاتها بيسر وسهولة, ونظراً لعدم قدرة كثير من الناس على تعلم الأحكام دعت الحاجة الماسة لمعرفة أحكام الدين عن طريق سؤال العلماء واتباعهم؛ لذلك نشأت تلك المذاهب الفقهية. ويجدر الإشارة إلى أن نشأة المدرسة الفقهية الأولى في المدينة النبوية في عهد الصحابة رضي الله عنهم حين يتوجه الناس بأسئلتهم لعلماء الصحابة الذين اشتهروا بحب العلم والفقه وبرزت ملكة الاجتهاد عندهم نتيجة حفظهم للقرآن الكريم ووقوفهم على تفسير آياته وحرصهم على ملازمة الرسول صلى الله عليه وسلم ومصاحبته وحفظ سنته وفهمها. أنواع الصحابة في الفتوى وقد عُرف عدد كبير من الصحابة بالعلم والفقه؛ فمنهم المكثر من الفتيا كعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وعبد الله ابن عباس وعبد الله بن عمر وأم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهم جميعاً. ومنهم المقل (كأبي بكر الصديق وعثمان ابن عفان) رضي الله عنهم جميعاً. الانتقال بين الأمصار ونشر العلم: ثم انتقل عدد من الصحابة لمختلف الأمصار الإسلامية، وتتلمذ على أيديهم عدد كبيرٌ من التلاميذ، الذين أخذوا علمهم ونشروه وعلَّموه للناس، واستمر نقل العلم إلى أن وصل للأئمة الأربعة وغيرهم، ولكن نظرا لاهتمام تلاميذ الأئمة الأربعة بتدوين علمهم ونشر كتبهم؛ اشتهرت هذه المذاهب على غيرها، وأصحاب المذاهب الأربعة المشهورة هم

:

1. الإمام أبوحنيفة النعمان بن ثابت (ولد80 هـ وتوفي 150هـ) .

2. الإمام مالك بن أنس الأصبحي (ولد 93هـ وتوفي 179هـ).

3. الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ولد 150هـ وتوفي 204هـ).

4. الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (ولد 164هـ وتوفي 241هـ).


وقام تلامذة الأئمة الأربعة بالاستمرار في تدوين كتبهم، وشرحها ونشر علمهم بين الناس، وظهر علماء آخرون في مختلف الأمصار الإسلامية وآراؤهم محفوظة في الكتب الفقهية، ولم ينشط تلاميذهم أو أصحابهم في نشره كتبهم وخدمتها وشرحها، أو نشر فقههم ومذهبهم, فلم يُكتب لها البقاء والانتشار، وبقيت المذاهب الأربعة المعروفة لأهل السنة إلى يومنا هذا، وتوجد عوامل أخرى ساهمت في انتشار فقه الأئمة الأربعة كالعامل السياسي، مثل: حمل بعض الحكام الناس على الالتزام بمذهب معين، ونشر كتبه دون غيره. ما سبب انتشار أصحاب المذاهب الأربعة دون غيرهم من العلماء؟أنهم قاموا بتأليف كتب تحمل فتاواهم وآراءهم، بينما لم يقم معظم الفقهاء بهذا الأمر. إضافة إلى قيام تلاميذ هؤلاء الفقهاء الأربعة بخدمة كتب مشايخهم، و شرحها ونشرها بين الناس، والعناية بتدريسها
.
كذلك المواقف السياسية ساهمت في تالق المذاهب الفقهية
ولما ظهر أبو حنيفة كفقيه له آراؤه الفقهية ، استطاع أن يستقطب له تلاميذ صار لهم الدور الكبير بعد ذلك في نشر تلك الآراء ، ولا سيما القاضي أبو يوسف ( 3 ) الذي نال الحظوة عند الخلفاء العباسيين ، فتولى منصب القضاء لثلاثة من الخلفاء : المهدي والهادي والرشيد ، فنشر مذهب أبي حنيفة بواسطة القضاة الذين كان يعينهم هو وأصحابه .
ولما بزغ نجم مالك بن أنس أراد أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس على العمل بما في الموطأ ، وأمر من ينادي في الناس : ألا لا يفتين أحد ومالك بالمدينة . وحظي مالك بمكانة عظيمة عنده وعند من جاء بعده من أبنائه الخلفاء ، كالمهدي والهادي والرشيد ، فسبب ذلك ظهور أتباع له يروجون مذهبه ، ويظهرون التعصب له .
ثم تألق الشافعي وبرز على علماء عصره ، وساعده على ذلك تتلمذه على مالك في المدينة ، ونزوله ضيفا لما ذهب إلى مصر عند محمد بن عبد الله بن الحكم الذي كانت له في مصر مكانة ومنزلة علمية ، وكان مقدما عند أهل مصر ، فقام هذا الأخير بنشر علم الشافعي وبث كتبه ، مضافا إلى ما لقيه الشافعي في بادئ الأمر من المالكية في مصر من الإقبال والحفاوة ، بسبب كثرة ثنائه على الإمام مالك ، وتسميته ب‍ ( الأستاذ ) .
ولما وقع الإمام أحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن ، وضرب وحبس ، مع ما أظهر من الصبر والتجلد ، جعل له المكانة عند الناس ، ولا سيما بعد أن أدناه المتوكل العباسي وأكرمه وعظمه ، وعني به عناية فائقة .
هكذا نشأت هذه المذاهب وانتشرت دون غيرها .
______________________________________________


1. مستفاد من خلاصة تاريخ التشريع الإسلامي للشيخ عبد الوهاب خلاف ط ثانية دار القلم , الكويت و فقه السنة للشيخ سيد سابق ج 1 من ص7 ـ ص12 و تاريخ التشريع الإسلامي للشيخ مناع ص26,27 , و الوجيز في أصول الفقه, للدكتور عبد الكريم زيدان ط 7مؤسسة الرسالة بيروت 1418هـ=1997م .و للتوسع انظر تاريخ الفقه الإسلامي, للدكتور عمر سليمان الأشقر ط 3 دار النفائس الأردن 1412هـ=1991م. و الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي ط الثانية 1405=1985 دار الفكر دمشق, ج 1من ص15 _ 17. وأصول الفقه للشيخ عبد الوهاب خلاف ص 13 ,ط دار الفكر العربي بالقاهرة 1416 هـ =1995م . 2. راجع: المقارنة بين الشريعة والفقه في كتاب تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر. وانظر الفائدة ص39 تبين الفارق المهم وهو أن التشريع قد اكتمل بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ,أما الفقه فهو الذي تطور بعد ذلك . و خلاصة تاريخ التشريع الإسلامي للشيخ عبد الوهاب خلاف ط ثانية دار القلم, الكويت. و الموسوعة الفقهية التابعة لوزارة الأوقاف بالكويت ج1 من ص23 - 33. 3-هو يعقوب بن إبراهيم الأنصاري ، ولد في الكوفة سنة 113 ه‍ ، ونشأ فيها ، وكان فقيرا معدما ، اتصل بأبي حنيفة وتتلمذ على يديه ، وفأولاه أبو حنيفة عناية خاصة ، فكان ينفق عليه وعلى عياله ، إلى أن مات أبو حنيفة سنة 150 ه‍ ، فاستقل برئاسة المذهب ، وتولى القضاء ، وحظي بمكانة عظيمة عند هارون الرشيد ، وهو أول من لقب بقاضي القضاة ، ونشر مذهب أبي حنيفة في الآفاق ، توفي سنة 182 ه‍ ، وعمره 69 سنة


......................................................................................................................................



من أين أخذ أئمة المذاهب علمهم؟
أخذ أبو حنيفة عن شيخه الذي اختص به حماد بن أبي سليمان، و حماد عن إبراهيم، و إبراهيم عن علقمة، و علقمة عن ابن مسعود. و قد اخذ أبو حنيفة عن عطاء و غيره
وأخذ مالك عن أهل المدينة. و أهل المدينة لا يكادون يأخذون بقول علي، بل اخذوا فقههم عن الفقهاء السبعة، عن (زيد و عمر و ابن عمر و نحوهم.
أما الشافعي فإنه تفقه أولاً على المكيين أصحاب ابن جريج كسعيد بن سالم القداح و مسلم بن خالد الزنجي. و ابن جريج أخذ ذلك عن أصحاب ابن عباس كعطاء و غيره. و ابن عباس كان مجتهداً مستقلاً، و كان إذا أفتى بقول الصحابة أفتى بقول أبي بكر و عمر، لا بقول علي، و كان ينكر على علي أشياء. ثم أن الشافعي أخذ عن مالك، ثم كَتَب كُتُب أهل العراق و أخذ مذاهب أهل الحديث، و اختار لنفسه.
و أما الإمام أحمد، فكان على مذهب أهل الحديث. أخذ عن ابن عيينة، و ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس و ابن عمر. و أخذ عن هشام بن بشير، و هشام عن أصحاب الحسن و إبراهيم النخعي. و أخذ عن عبد الرحمن بن مهدي و وكيع بن الجراح و أمثالهما. و جالس الشافعي، و أخذ عن أبي يوسف، و اختار لنفسه قولاً. و كذلك إسحاق بن راهويه وأبو عبيد ونحوهم. و الأوزاعي و الليث أكثر فقههما عن أهل المدينة و أمثالهم، لا عن الكوفيين.
المذاهب السنية الأربعة
وهكذا ظهرت المذاهب الفقهية الكبرى في عصر الدولة العباسية. وهذه المذاهب حسب التسلسل التاريخي في الظهور:
- المذهب الحنفي: نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان ( 80 - 150 هجرية ) -وإن كان المذهب الحنفي يشتمل على تحقيق مناهج شيوخ المذهب كأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، ولم يكن قاصرا على منهج أبي حنيفة بالذات- نشأ المذهب الحنفي في الكوفة ونما في بغداد، واتسع بمؤازرة الدولة العباسية له.
وكان مذهبه يعتمد –بالإضافة إلى الأصول النقلية المتفق عليها- على القياس والاستحسان والعرف وقول الصحابي وشرع من قبلنا، فتوسع المذهب في اعتماد الأصول العقلية وتشدد في ضوابط الأخذ بالحديث بسبب تعقد الحياة وتطور المدنية في البيئة العراقية
الأدوار التي مر بها المذهب الحنفي
يمكن القول إن المذهب الحنفي مر بثلاثة أدوار رئيسة هي:
1 - دور النشوء والتكوين: ويشمل عصر الإمام وتلاميذه إلى وفاة الحسن بن زياد اللؤلؤي 204هـ
2- دور التوسع والنمو والانتشار: ويمتد من وفاة اللؤلؤي 204 إلى وفاة الإمام عبدالله بن أحمد بن محمود النسفي خاتمة مجتهدي المذهب 710هـ-
دور الاستقرار: ويمتد إلى اليوم 3-
للمزيد من التعرف على طبيعة المذهب الحنفي اقرأ مفيد جدا
http://www.12allchat.com/forum/viewtopic.php?f=4&t=6271

ومن أهم كتب المذهب الحنفي: كتب" ظاهر الرواية" الستة، وكتب "النوادر" للإمام محمد بن الحسن، وكتاب "الكافي" للحاكم الشهيد، وكتاب "المبسوط" للسرخسي، وكتاب "بدائع الصنائع" للكاساني، وكتاب حاشية ابن عابدين المسماة "رد المحتار على الدر المختار" وغير ذلك للمزيد
http://www.ibnamin.com/abu_hanifa.htm

- المذهب المالكي: وهو عبارة عما ذهب إليه الإمام مالك ( 39 - 179 هجرية ) من الأحكام الاجتهادية مراعيا في ذلك أصولا معلومة وأخرى مخصوصة. ويعتمد المذهب ـإضافة إلى الأصول المتفق عليها بين جميع الأئمة من الكتاب والسنة والقياس وإجماع الصحابة ـ على عمل أهل المدينة والاستصلاح. ومن أبرز المؤلفات في هذا المذهب:"الموطأ" للإمام مالك، و"المدونة الكبرى" وهي آراء الإمام مالك الفقهية جمعها ودونها سحنون بن سعيد التنوخي..
انتشر المذهب المالكي أكثر ما انتشر في شمال إفريقية ومصر والأندلس، وقام علماء كثيرون بنشره في العراق وبلاد خراسان..
- المذهب الشافعي: وصاحبه محمد بن إدريس الشافعي ( 150 - 204 هجرية)، عاش في مكة ثم رحل إلى العراق حيث تعلم في بغداد فقه "أبي حنيفة" قبل رحيله واستقراره قي مصر. ومن ثم جاء مذهبه وسطاً بين مذهب " أبي حنيفة" المتوسع في الرأي، ومذهب "مالك بن أنس " المعتمد على الحديث. ويعتمد المذهب الشافعي في استنباطاته وطرائق استدلاله على الأصول التي وضعها الإمام الشافعي ودونها في كتابه الشهير "بالرسالة"، بحيث يعد أول من دون كتاباً متكاملاً في علم أصول الفقه. من أبرز علماء الشافعية في حياة الشافعي هم تلامذته: الربيع بن سليمان الجيزي والربيع بن سليمان المرادي، والبوطي..
ومن أشهر كتب مذهبه إضافة إلى كتب الشافعي نفسه كتاب "فتح العزيز في شرح الوجيز" للرافعي، و"روضة الطالبين" و"المجموع" للنووي، و"المهذب" و"التنبيه" للشيرازي، و"تحفة المحتاج" لابن حجر الهيثمي؛ والمجموع.
- المذهب الحنبلي: وصاحبه الإمام أحمد بن حنبل ( 164 - 241 هجرية )، وهو آخر المذاهب الأربعة من الناحية الزمنية. وكان ابن حنبل يرى أن يقوم الفقه على النص من الكتاب أو الحديث، وأنكر على أستاذه " الشافعي " أخذه بالرأي، واعتبر الحديث أفضل من الرأي. لذلك عد في نظر كثير من العلماء من رجال الحديث لا من الفقهاء. ومن أشهر كتبه "المسند" الذي يعتبر موسوعة لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي يحوي أربعين ألف حديث .
ومن أشهر رجال الحنابلة الذين قاموا بنشر المذهب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية . وأهم تلاميذه صالح ابن الإمام أحمد، وابنه الآخر عبد الله وأبو بكر الأثرم والمروذي وأحمد بن محمد بن الحجاج وإبراهيم الحربي. وأهم كتب مذهبه "مختصر الخرقي"، الذي شرحه ابن قدامه في كتابه "المغني" وكتاب "كشاف القناع" للبهوتي، و"الفروع" لابن مفلح، و"الروض المربع" للحجاوي. انتشر في عدد كبير من
البلاد من أهمها بلاد الشام، ونجد في الجزيرة العربية







الأحد، 17 مايو 2009

الدرس الحادي عشر في الفقه







المسائل المختلف فيها



: هل ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كل هذه الأمور التي اختلف فيها الفقهاء؟ وأقول: هناك كثير من الأمور عملها النبي –صلى الله عليه وسلم- ورويت عنه فعلاً وإن كان واظب على بعضها أكثر من الآخر، فمثلاً: التكبير في الأذان. الله أكبر الله أكبر. . هل هو أربع مرات أم مرتان؟ ورد هذا وورد هذا. فالمالكية أخذوا بالاثنتين، وغيرهم أخذ بالتربيع. والترجيع في الشهادتين بصوت خفيف، كذلك ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- فأخذ به بعض العلماء ولم يأخذ الآخر. فهذه الأمور، بعضها مما ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- وإن كان أكثر في ناحية وأقل في ناحية أخرى. كالجهر بالبسملة، فالمروي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه كان لا يجهر بالبسملة، ولكن جاءت أحاديث تدل على أنه أيضًا جهر بها، وهذا ليس بممتنع أن يكون قد جهر في بعض الأحيان لتعليم من خلفه من المصلين ونحو ذلك، ولهذا قال ابن تيمية في هذا الموضوع: يجوز أن يترك الأفضل في أمور العبادات لتأليف القلوب، كما ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- بناء البيت - الكعبة - على قواعد إبراهيم، من خشية تنفيرهم، نص الأئمة كأحمد، على ذلك. في البسملة، ووصل الوتر، وغيره، مما فيه العدول من الأفضل إلى الجائز، مراعاة للائتلاف، أو لتعريف السنة أو نحو ذلك



هل يمكن تقليد غير الأربعة؟
أو الاعتماد على الكتاب والسنة مباشرة، دون التقيد بمذهب الآن؟؟






نعم، يجوز تقليد غير الأربعة. . ويجوز الاعتماد على الكتاب والسنة لمن يقدر على الاعتماد عليهما، من أهل الفقه والنظر، فلهم أن يجتهدوا ويبحثوا، وأن يستخرجوا من الكتاب والسنة، وأن يرجحوا، وأن يرجعوا إلى علماء الترجيح، وعلماء المقارنة، والذين يقارنون ويرجحون بالدليل كابن دقيق العيد، وابن تيمية وابن القيم وابن حجر العسقلاني والصنعاني والشوكاني وغيرهم. . ثم يأخذ العالم بما هو أرضي لدينه وما هو أرجح في نفسه، وما يطمئن إليه قلبه، فهذا هو الذي يكلف به، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. والقول الذي شاع في عصور التراجع والتخلف بأن باب الاجتهاد قد أغلق، قول مردود، ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع، بل قال الحنابلة وغيرهم: إنه لا يجوز خلو عصر من العصور من مجتهد يفتي الناس وفق الأدلة. ولا حرج على فضل الله تعالى أن يمنح بعض عباده من المواهب والقدرات ما يؤهله لمرتبة الاجتهاد، وهو ليس بالأمر المستحيل. بل هو في عصرنا أيسر بالنسبة لتيسر وسائل علمية لم تكن ميسرة لمن كان قبلنا، مثل الطباعة والتصوير، و(الكمبيوتر) وغيرها (انظر في ذلك: كتابنا: الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، فصل "تيسر الاجتهاد اليوم"). . . أما من لا يعرف اللغة وعلومها ودلالاتها ولا يعرف ما يتعلق بالقرآن والسنة من معارف وعلوم متنوعة، ولا يعرف مواضع الإجماع والخلاف، ولا يعرف أصول الفقه والقياس وقواعد التعارض والترجيح. . إلى غير ذلك من أدوات الاجتهاد الأساسية، فالواجب عليه أن يرجع إلى أهل الذكر، كما يرجع الناس بالفطرة في كل اختصاص إلى أهله. قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (الأنبياء: 7). ولا يتصور تكليف الناس جميعًا بالاجتهاد كما يزعم بعضهم، فإن هذا غير ممكن، وليس عليه دليل.

حكم التلفيق بين المذاهب
ما الحكم لو قلد الإنسان إمامًا في أمر وقلد غيره في أمر آخر؟






هذا يسمى التلفيق. . بعض العلماء أجازوا هذا الأمر، وبعضهم منعه، والذي أراه، أن التلفيق، إذا كان يقصد أن يلفق، أو كأن يتتبع رخص المذاهب، يبحث عن الأسهل والموافق لهواه، وعما يحلو له، دون مراعاة لأي دليل، فهذا لا يجوز. . ولهذا قال السلف: من تتبع رُخص المذاهب فسق. ومثل ذلك: أن يأخذ بمذهب معين إذا كان في جانبه ومصلحته، كان يأخذ بقول أبي حنيفة في أن للجار الشفعة إذا كان هو جارًا يريد العقار لنفسه، فإذا كان المذهب مع خصمه أخذ بضده كما في الصورة المقابلة، يقول: آخذ بقول الشافعي وأرفض ما سواه. وذلك أنه هنا يتبع هواه، ويتلاعب بالدين، ويجعل المذاهب خادمة لمصلحته. والمؤمن ينبغي أن يكون مع الحق، كان له أو عليه، وقد ذم الله تعالى المنافقين بقوله: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين. وإذا دعوا إلي الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون. وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين) (النور: 47 - 49). فقد أرادوا أن يدور الحق معهم، لا أن يدوروا هم مع الحق، كما هو شأن المؤمنين الصادقين. وأما إن كان المسلم يتبع ما هو أرجح في نظره، وما هو أقوى في قلبه، فلا بأس أن يقلد الحنفية في أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، ويقلد الشافعية في أن سيلان الدم لا ينقض الوضوء. ويقلد المالكية في أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، إذا اطمأن إلي الدليل في ذلك. وهذا ما نفتي به. والله تعالى يوفقنا إلى التفقه في دينه، "فمن يرد الله به خيرًا يفقه في الدين"، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله أعلم

مختصر من فتوي الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي





تقييم

س1 : ماهو التلفيق وما حكمه ؟
س2: بين أسباب اختلاف العلماء ؟ هل دعوى اغلاق باب الاجتهاد دعوى مقبولة ؟ بين وجهة نظرك ووجهة نظر الشرع
س3 :ما حكم تقليد مذهب من المذاهب الاربعة ؟
س4: مالذي يفعله طالب العلم في المسائل الخلافية ؟ وهل يختلف عن الرجل العامي ؟
س5:هل يمكن تقليد غير الأربعة؟ كيف نشأة المذاهب الفقهية
؟

الجمعة، 8 مايو 2009

فقه الخلاف الدرس العاشر في الفقه



ما ذا نفعل عند اختلاف العلماء

الموقف السليم من خلاف العلماء أمام هذه الخلافات الفقهية أن نعلم ان
الناس ينقسمون إلى قسمين في هذا الموضع.
طالب العلم
القسم الأول: هناك إنسان يستطيع أن يبحث ويصل بالأدلة بنفسه إلى القول الراجح -الراجح في نظره هو وليس الراجح مطلقاً- فيكون راجحاً عنده وليس راجحاً عند غيره، كطالب العلم الذي عنده معرفة -ولو مجملة- في أصول الفقه، ومعرفة بدلالات اللغة، وعنده قدرة على الرجوع إلى مظانِّ البحث، فإذا أشكلت عليه مسألة فقهية رجع إلى الكتب، وقرأ أقوال أهل العلم، ونظر في الأدلة، ووازن بينها، ثم توصل إلى نتيجة أن هذا القول أرجح، هذا ينبغي لـه أن يفعل هذا الأمر ويبحث بنفسه، خاصة في المسائل الكبيرة. وإلا من غير المعقول أيضاً أن نقول للناس اتركوا أعمالكم ودراساتكم وبيعكم وشرائكم، والطبيب يترك الطب، والمهندس يترك الهندسة وغيرهم؛ ليتجهوا إلى البحث في هذه المسائل؛ لأن الذي يبحث فيها بالتأكيد سوف يستنفذ عمره كله دون أن يصل إلى جميع المسائل، لكن المسائل التي يحتاج فيها إلى رأي واضح وتكون قضايا كلية وكبيرة، أو التبس عليه الأمر فيها، أو عرف الحق بأي طريق أو عرف الدليل من خلال عالم من العلماء؛ فينبغي له أن ينصاع للدليل

عامة الناس
القسم الثاني: هم من يمكن أن نصفهم بالعامة، وهو من لم يتلق علماً، يقول: في المجال الشرعي ليس عندي علم،
فهذا العامي ما موقفه؟ في حدود علمي ومعرفتي أن هذا العامي فرضه وحكمه التقليد، أن يقلد من يثق به وبعلمه من الأحياء أو من الأموات، الممكن أن يقول: أنا سوف أُقلِّد عالماً من العلماء أقلد -مثلاً- سماحة الشيخ فلان أو فلان، أي عالم معتبر من المسلمين يقلده فلـه ذلك. لكن نقول لهذا العامي: واجب عليك أن تختار من سوف تقلده في دينك، وفق ضوابط شرعية، فلا تقل: إني أختار فلاناً لأنه -مثلاً- سمح، ويوسع علينا في القضايا فقط، لا،هذه القضية ليست قضية أمزجة وأهواء ورغبات؛ لكن العامي يختار من يعتقد في قلبه أن آراءه أقرب إلى حكم الله ورسوله، فيقلده في الحق. وهل يلزم العامي أن يسأل على الدليل أم لا يلزم أن يسأل؟ إن سأل العامي عن الدليل فحسن، إذا كان يستطيع أن يسأل عن الأدلة ويفهما، لكن كثيراً من العامة لا يفقه الدليل، ولا يميز بين الآية والحديث، ولا يميز بين الحديث إذا كان موضوعاً أو من صحيح البخاري، ولو قلت له: هذا الحديث في صحيح البخاري لا يدري ماذا يعني صحيح البخاري فهو لا يفقه من هذا شيئاً. ولذلك نقل
ابن قدامة الإجماع على أن العامي فرضه التقليد، ويقول الأصوليون: العامي مذهبه مذهب مفتيه، فإذا سأل عالماً يثق بعلمه ودينه، وجب عليه أن يلتزم بفتواه التي أصدرها، وهذا العمل هو الذي عليه المسلمون منذ عهود الصحابة رضي الله عنهم إلى اليوم. حتى أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال في الحديث الذي رواه جابر وابن عباس وغيرهم، في قصة صاحب الشجة، لما ذهب مجموعة من الصحابة في سرية، فأحدهم أصابته شجة في رأسه ثم أجنب، فسأل الصحابة: ماذا أصنع؟ لأنه إن اغتسل قد يضره الماء، فأمروه بالاغتسال، فاغتسل ومات. فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: {قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يقول بيديه هكذا، وضرب بيديه الأرض ضربة واحدة فمسح بها وجهه وكفيه}. وجه الدلالة من الحديث: أن هذا الرجل الصحابي سأل الصحابة، وبالتأكيد ما أعطوه دليلاً معيناً في هذه المسألة! ولذلك قال: الرسول عليه السلام: {قتلوه قتلهم الله } وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم وجههم بقوله: ألا سألوا إذا لم يعلموا، والله تعالى يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:7] فالعامي ومن في حكمه يسأل أهل الذكر -أهل العلم- فإن كان يستطيع أن يفهم الأدلة سأل عن الأدلة، وإذا كان لا يستطيع أن يفهم؛ فإنه يكتفي بالسؤال عن الحكم. وأذكر أن أحدهم -عامي وإن كان يدرس الطلاب ويتصدر لهم في علوم معينة- كان يجلس أمام الطلاب ثم يقول: سمعت يوماً من الأيام كلمة لا أدري أهي آية أو حديث أو مثل أو حكمة؟! فمثل هذا لا معنى لأن تقول لـه اسأل عن الدليل، إذ لو أتيت لـه بآية ظنها حديثاً أو العكس ولو أتيت بحديث موضوع التبس عليه، ولو أتيت بحديث صحيح لا يدري عنه؛ فلا معنى من تكليفه بأمر لا جدوى ولا معنى من ورائه. إذاً: هذا هو موقف العامي، وكذلك الموقف لطالب العلم أو القادر على البحث في أي مسألة، والوصول إلى القول الراجح بالدليل، في موضوع اختلاف أهل العلم


.
اختلاف الأئمة الأربعة




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله اختلف الأئمة؛ لأن مصدر الدين شرعه الله تعالى لعباده في نصوص، والنصوص لا بد أن يختلف الناس في فهمها، هذا شئ طبيعي في الحياة، الناس يختلفون ما بين حرفي يعنى بظاهر اللفظ، وآخر يعنى بروح النص، وهذا موجود حتى في شراح القوانين أنفسهم، فتوجد المدرسة الضيقة الحرفية، والمدرسة المتوسعة التي تعنى بروح النصوص. وقد وجد هذان الفريقان منذ عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحينما قال -صلى الله عليه وسلم- بعد غزوة الأحزاب: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة" (رواه البخاري ومسلم وغيرهما). اختلف الصحابة في ذلك حين دنا الغروب، فقال بعضهم: إنما أراد منا سرعة النهوض، وآخرون قالوا: لا. لقد قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة". فنحن لا نصليها إلا في بني قريظة ولو بعد الغروب. . وصلوها بعد الغروب، وبلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل هؤلاء، وفعل هؤلاء، فلم يعنف أحدًا من الفريقين، إقرارًا منه -صلى الله عليه وسلم- للاجتهاد، حيث ترك الناس لاجتهادهم، فهذا من أسباب الاختلاف




حكم تقليد الأئمة




هناك من ذهب إلى وجوب تقليد الأئمة الأربعة، وفي هذا يقول صاحب الجوهرة في التوحيد: وواجب تقليد حبر منهم كما حكى القوم بلفظ يُفهم والبعض غلا في هذا الأمر، وقال: يجب تقليد واحد بعينه من الأئمة. فالشافعي يقول: يجب تقليد الشافعي. والحنفي يقول: يجب تقليد أبي حنيفة. والمالكي والحنبلي. . . وهكذا. . . وقد خطأ المحققون هذا القول، بل قالوا: إن القول بوجوب تقليد إمام بعينه، بأن تُلتزم أقواله فقط وترفض أقوال غيره، حرام في الدين، وأكثر من ذلك أن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إن تاب قائل هذا الكلام وإلا قتل. لأن من قال: يُقلد رجل بعينه في الدين، وتؤخذ أقواله، وتؤخذ أقواله وحده، وتُسقطُ أقوال غيره، كأنه يجعله شارعًا، كأنه يجعله نبيًا معصومًا. . فهذا لا يجوز في دين الله، يجب أن يستتاب قائل هذا الكلام، وإن أصر عليه، فيرى ابن تيمية أنه قد مرق من الإسلام. وقال ابن القيم: نعلم بالضرورة أنه لم يكن في عصر الصحابة، رجل واحد آثر رجلاً منهم يقلده في جميع أقواله بحيث لم يسقط منها شيئًا، وأسقط أقوال غيره فلم يأخذ منها شيئًا، ونعلم بالضرورة أن هذا لم يكن في عصر التابعين، وليكذبنا المقلدون برجل واحد سلك سبيلهم الوخيمة في القرون المفضلة على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتلك هي القرون الثلاثة الأولى المفضلة في الأحاديث الصحيحة. . . وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسانه -صلى الله عليه وسلم-.

وردّ ابن القيم هذا القول - تقليد الأربعة فقط، أو تقليد واحد منهم بعينه - في كتابه: إعلام الموقعين، وخطأه من نحو خمسين وجهًا، وقد أطال في هذا الموضوع فأجاد، وأفاد، فليراجعه من أراد. ومحصل كلامه هناك، أنه إذا وصل إلى أحد قول إمام من الأربعة أو من غيرهم، ممن قبلهم أو بعدهم، على وجه الصحة، جاز له تقليده، إذا كان من غير أهل الاجتهاد. المجتهد عليه أن يجتهد لنفسه، أما العامي، ومن لا يستطيع الاجتهاد، فيجوز له الأخذ بقول أي إمام كان، وأي فقيه، ممن بلغ مرتبة الاجتهاد، كما يرشد إليه قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (الأنبياء: 7). هذا من حيث حكم التقليد.