اتباع القرآن السنة الهمة العالية المحنة فتنة الامام الأكبر أبي حنيفة النعمان
تعرض الامام الاعظم في عهد الامويين لهذه المحنة وذلك ان يزيد بن عمر بن هبيرة كان عاملا على العراق من قبيل مروان في عهد الدولة الاموية. وطلب من ابي حنيفة ان يلي قضاء الكوفة فرفض ابو حنيفة فضربه يزيد بن عمر مائة وعشرة اسواط كل يوم عشرة اسواط ولم يرجع ابو حنيفة عن رأيه برغم ذلك فخلى سبيله فذهب الى مكة وعكف بجوار الكعبة المشرفة يدرس الحديث والفقه والتقى بتلاميذه هناك فمكث في مكة قرابة ستة سنوات ومما روي من الشجن والجلد حينما سئل عنه قال كان غم والدتي اشد عليّ من الضرب) لحبه لوالدته.. ويظهر ان الضرب كان شديدا لان الامام احمد بن حنبل رحمه الله تعالى كان اذا ذكروا ذلك بكى وترحم على ابي حنيفة. وعن مغيث بن بديل قال دعا المنصور أبا حنيفة إلى القضاء فامتنع فقال: أترغب عما نحن فيه فقال: لا أصلح، قال: كذبت. قال: فقد حكم أمير المؤمنين علي أني لا أصلح فإن كنت كاذباً فلا أصلح وإن كنت صادقاً فقد أخبرتكم أني لا أصلح فحبسه. محنة الإمام مالك
تعرض الإمام مالك لمحنة وبلاء بسبب حسد ووشاية بينه وبين والي المدينة جعفر بن سليمان ويروى أنه ضرب بالسياط حتى أثر ذلك على يده فيقول إبراهيم بن حماد أنه كان ينظر إلى مالك إذا أقيم من مجلسه حمل يده بالأخرى، ويقول الواقدي لما ولي جعفر بن سليمان المدينة سعوا بمالك إليه وكثروا عليه عنده وقالوا لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن الأحنف في طلاق المكره أنه لا يجوز عنده قال فغضب جعفر فدعا بمالك فاحتج عليه بما رفع إليه عنه فأمر بتجريده وضربه بالسياط وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه وارتكب منه أمر عظيم فواالله ما زال مالك بعد في رفعة وعلو، وهذه ثمرة المحنة المحمودة أنها ترفع العبد عند المؤمنين وبكل حال فهي بما كسبت أيدينا ويعفو الله عن كثير ومن يرد الله به خيرا يصيب منه وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) كل قضاء المؤمن خير له وقال الله تعالى {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} (محمد:31) وأنزل الله تعالى في وقعه أحد قوله {أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أني هذا قل هو من عند أنفسكم}(آل عمران:165) وقال {وما أصابكم من مصيبة فبما كسب أيديكم ويعفو عن كثير} (الشورى:30) فالمؤمن إذا امتحن صبر واتعظ واستغفر ولم يتشاغل بذم من انتقم منه فالله حكم مقسط ثم يحمد الله على سلامة دينه ويعلم أن عقوبة الدنيا أهون وخير له.. ورأى المنصور أنه لا بد من تصرُّف يمتص غضب الناس يزيح التهمة عن نفسه فأمر والي المدينة بإطلاق مالك ثم جاء المنصور بنفسه إلى الحجاز في موسم الحج والتقى بالإمام مالك واعتذر إليه وقال: أنا ما أمرتُ بالذي كان ولا علمته وإنه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم. وأمر بإحضار الوالي مهاناً وبضربه وحبسِهِ إلا أنَّ مالكاً عفى عنه محنة اللإمام الشافعي
اشتهر الشافعي بحبه لأولاد علي -رضي الله عنه، حتى لقد روي عنه -كما جاء في الانتقاء لابن عبد البر وغيره- أنه
قال: إن كان رفض حب آل محمدٍ ... فليشهد الثقلان أني رافضي فاتهم بالعلوية، وأن الرشيد قد أنزل به المحنة بسبب ذلك وأحضره إليه، ولكن اختلفوا: أكان اتهامه بهذه التهمة وهو بمكة أم كان وهو باليمن؟ ففي توالي التأسيس لابن حجر، ومناقب الشافعي للرازي، وما نقله معجم الأدباء عن الآبري، أن التهمة كانت وهو باليمن، وأنه أُخِذَ من اليمن إلى الرشيد، ولكن في الانتقاء لابن عبد البر أن التهمة كانت وهو بمكة، فقد جاء فيه على لسان الشافعي: رفع إلى هارون الرشيد أن بمكة قومًا من قريش استدعوا رجلاً علويًّا كان باليمن، ثم قدم مكة مجاورًا، فاجتمع إليه من قريش فتية جماعة يريدون أن يبايعوه ويقوموا، فأمر الرشيد يحيى بن خالد بن برمك أن يكتب إلى عامله بمكة أن يبعث إليه من مكة ثلاثمئة رجل، كلهم من قريش، مغلولة أيديهم إلى أعناقهم، فأُشخصت فيمن أشخصو ويقول في رواية أخرى: حمل الشافعي من الحجاز مع قوم من العلوية تسعة، وهو العاشر. هذه بلا ريب روايات متناقضة في ظاهرها، وقد يصح الجمع بينها بأن الشافعي اتهم وهو بمكة يزور أهله، وأن المتهم هو الوالي؛ سعاية له ونمام عليه، وأما الاختلاف في العدد؛ لعله لأن التهمة موجهة إلى العشرة، والآخرون قد استمعوا إليهم http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Item&id=8244&lang=AR).
محنة الإمام أحمد
كان الإمام أحمد على موعد مع المحنة التي تحملها في شجاعة، ورفض الخضوع والتنازل في القول بمسألة عمّ البلاء بها، وحمل الخليفة المأمون الناس على قبولها قسرًا وقهرًا دون دليل أو بيّنة. وتفاصيل تلك المحنة أن المأمون أعلن في سنة (218ه = 833م) دعوته إلى القول بأن القرآن مخلوق كغيره من المخلوقات، وحمل الفقهاء على قبولها، ولو اقتضى ذلك تعريضهم للتعذيب، فامتثلوا؛ خوفًا ورهبًا، وامتنع أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح عن القول بما يطلبه الخليفة، فكُبّلا بالحديد، وبُعث بهما إلى بغداد إلى المأمون الذي كان في طرسوس، لينظر في أمرهما، غير أنه توفي وهما في طريقهما إليه، فأعيدا مكبّلين إلى بغداد. وفي طريق العودة قضى محمد بن نوح نحبه في مدينة الرقة، بعد أن أوصى رفيقه بقوله: "أنت رجل يُقتدى به، وقد مدّ الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك؛ فاتق الله واثبت لأمر الله". وكان الإمام أحمد عند حسن الظن، فلم تلن عزيمته، أو يضعف إيمانه أو تهتز ثقته، فمكث في المسجد عامين وثلث عام، وهو صامد كالرواسي، وحُمل إلى الخليفة المعتصم الذي واصل سيرة أخيه على حمل الناس على القول بخلق القرآن، واتُّخذت معه في حضرة الخليفة وسائل الترغيب والترهيب، ليظفر المجتمعون منه بكلمة واحدة، تؤيدهم فيما يزعمون، يقولون له: ما تقول في القرآن؟ فيجيب: هو كلام الله، فيقولون له: أمخلوق هو؟ فيجيب: هو كلام الله، ولا يزيد على ذلك. ويبالغ الخليفة في استمالته وترغيبه ليجيبهم إلى مقالتهم، لكنه كان يزداد إصرارًا، فلما أيسوا منه علّقوه من عقبيه، وراحوا يضربونه بالسياط دون أن يستشعر واحد منهم بالخجل وهو يضرب إنسانًا لم يقترف جرمًا أو ينتهك عرضًا أو أصاب ذنبًا، فما بالك وهم يضربون إمامًا فقيهًا ومحدثًا ورعًا، يأتمّ به الناس ويقتدون به، ولم تأخذهم شفقة وهم يتعاقبون على جلد جسد الإمام الواهن بسياطهم الغليطة، حتى أغمي عليه، ثم أُطلق سراحه، وعاد إلى بيته، ثم مُنع من الاجتماع بالناس في عهد الخليفة الواثق (227-232ه = 841-846م)، لا يخرج من بيته إلا للصلاة، حتى إذا ولي المتوكل الخلافة سنة (232ه = 846م)، فمنع القول بخلق القرآن، ورد للإمام أحمد اعتباره، فعاد إلى الدرس والتحديث في المسجد
نبذة مختصرة عن حياة الأئمة الاربعة
الإمام أبو حنيفة رحمه الله (80 ـ 150 هـ
هو النعمان بن ثابت مولى بني بن ثعلبة . تفقه على حماد بن أبي سليمان وغيره . ومن تلامذته : زفر بن الهذيل العنبري، والقاضي أبو يوسف، ونوح بن أبي مريم، وأبو مطيع البلخي، والحسن بن زياد اللؤلؤي، ومحمد بن الحسن الشيباني، وحماد بن أبي حنيفة، وخلق . قال الذهبي رحمه الله : " برع في الرأي، وساد أهل زمانه في التفقه ، وتفريع المسائل، وتصدر للاشتغال، وتخرج به الأصحاب" ثمَّ قال : " وكان معدوداً في الأجواد الأسخياء، والأولياء الأذكياء، مع الدين والعبادة والتهجد وكثرة التلاوة، وقيام الليل رضي الله عنه "(5 ). وقال ابن كثير رحمه الله :" الإمام أبو حنيفة... فقيه العراق، وأحد أئمة الإسلام، والسادة الأعلام، وأحد أركان العلماء، وأحد الأئمة الأربعة؛ أصحاب المذاهب المتبوعة، وهو أقدمهم وفاة " ( 6 ). وقال ابن العماد في " شذرات الذهب ": " وكان من أذكياء بني آدم، جمع الفقه والعبادة، والورع والسخاء، وكان لا يقبل جوائز الدولة؛ بل ينفق ويؤثر من كسبه، له دار كبيرة لعمل الخز وعنده صنَّاع وأجراء رحمه الله تعالى"( 7 ) . وقد أورد الذهبي وابن كثير وابن العماد المقولة المشهورة عن الإمام الشافعي فيه حيث قال :" الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة "( 8 ) . وقال سفيان الثوري وابن المبارك : " كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه "(9 ). فرحمه الله رحمة واسعة ورضي عنه وأجزل له المثوبة .
الإمام مالك بن أنس ( ت 179
هو أبو عبد الله مالك بن أنس الحميري الأصبحي ،،، أخذ عن نافع ولازمه، وعن سعيد المقبري، والزهري، وابن المنكدر، ويحي بن سعيد القطَّان، وأيوب السختياني، وأبي الزناد، وربيعة، وخلق . وروى عنه من شيوخه: الزهري، وربيعة، ويحي بن سعيد، وغيرهم . ومن أقرانه : الأوزاعي، والثوري، والليث، وخلق . وروى عنه أيضاً : ابن المبارك، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي، والقعنبي، وخلائق ( 10 ) . قال الذهبي رحمه الله تعالى :" هو الإمام العلم شيخ الإسلام " ثمَّ قال :" عظيم الجلالة، كثير الوقار" ثمَّ أورد قول ابن سعد في الطبقات فقال : " كان مالك رحمه الله ثقة، ثبتاً، حجة، فقيهاً، عالماً، ورعاً "( 11 ) . قال ابن كثير رحمه الله :" أحد الأئمة الأربعة؛ أصحاب المذاهب المتبوعة" ثمَّ قال : "ومناقبه كثيرة جداً، وثناء الأئمة عليه أكثر من أن يحصر في هذا المكان " ( 12 ) . وقال ابن العماد في" شذرات الذهب ": " إمام دار الهجرة " ثمَّ قال :"شهير الفضل"( 13 ) .وقد أورد العلماء قول الشافعي فيه :" إذا جاء الحديث فمالك النجم" وقال :" من أراد الحديث فهو عيال على مالك " ( 14 ) . فرحمه الله رحمة واسعة، ورضي عنه،وأجزل له المثوبة .
الإمام الشافعي رحمه الله ( 150 ـ 204 هـ
هو محمد بن إدريس أبو عبد الله الشافعي المكي المطلبي، الفقيه، نسيب رسول الله صلى الله عليه وسلم . تفقه على مسلم بن خالد ( فقيه مكة )، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، ومالك بن أنس، ومحمد بن الحسن، ( الفقيه )، وخلق سواهم . وتفقه به جماعة منهم : الحميدي، والقاسم بن سلام، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، والمزني، والربيع بن سليمان المرادي، والبويطي، وخلق سواهم . قال الذهبي رحمه الله :" الإمام العَلَم،... الفقيه، نسيب رسول الله صلى الله عليه وسلم " وقال:" كان الشافعي ــ مع عظمته في علم الشريعة وبراعته في العربية ــ بصيراً في الطلب نقل ذلك غير واحد " ( 15 ) . وقال ابن كثير :" وقد أثنى على الشافعي غير واحد من الأئمة منهم : عبد الله بن مهدي، وقد سأله أن يكتب له كتاباً في الأصول فكتب له الرسالة وكان يدعو له في صلاته، وكذلك أثنى عليه شيخه مالك بن أنس، وقتيبة بن سعيد ــ وقال هو إمام ــ، وسفيان بن عيينة، ويحي بن سعيد القطّان ــ وكان يدعو له أيضاً في صلاته، وأبو عبيد القاسم بن سلام ــ وقال : ما رأيت أفصح، ولا أعقل، ولا أورع من الشافعي ــ، ومحمد بن الحسن، وخلق كثير، وكان أحمد بن حنبل يدعو له في صلاته نحواً من أربعين سنة، وكان أحمد يقول إنه مجدد المائة الثانية ... إ.هـ مختصراً (16 ). وقال ابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب" : " فقيه العصر، والإمام الكبير" ( 17 ). وقال إسحاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكة، فقال : تعال حتى أريك رجلاً لم تر عيناك مثله . قال: فأقامني على الشافعي ( 18 ) . وقال الإمام أحمد:"ما أحد مسَّ محبرة، ولا قلماً؛ إلاَّ للشافعي في عنقه منة" وقال:" كان من أفصح الناس " ( 19 ). فرحمه الله رحمة واسعة وأجزل له المثوبة ورضي عنه .
الإمام أحمد رحمه الله ( 164 ـ 241 هـ
هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الذهلي الشيباني المروزي ثمَّ البغدادي . من شيوخه : سفيان بن عيينة، والقاضي أبو يوسف، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، والشافعي، وخلق كثير . وروى عنه من شيوخه: عبد الرزاق، والشافعي، وخلق . ومن تلاميذه: البخاري، ومسلم، وأبو داود . ومن أقرانه: علي بن المديني، ويحي بن معين، وخلق . وقد ترجم له الذهبي في" تاريخ الإسلام " بترجمة طويلة ومما أورده فيها قول الإمام الشافعي رحمه الله :" خرجت من بغداد، فما خلفت بها رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد " وقال:" ما رأيت أعقل من أحمد " . وقال إسحاق بن راهويه:" وما رأى الشافعي مثل أحمد بن حنبل " . وقال ابن معين:" ما رأيت مثل أحمد" ( 20 ) . وقال ابن كثير رحمه الله:" وقد طاف أحمد بن حنبل في البلاد والآفاق، وسمع من مشايخ العصر، وكانوا يجلونه ويحترمونه في حال سماعه منهم " ثمَّ قال:" وقد قال الشافعي لأحمد لمّا اجتمع به في الرحلة الثانية إلى بغداد سنة تسعين ومائة ــ وعمر أحمد إذ ذاك نيف وثلاثون سنة ــ قال له:" يا أبا عبد الله، إذا صحَّ عندكم الحديث فأعلمني به أذهب إليه؛ حجازياً كان أو شامياً أو عراقياً أو يمنياً " ثمَّ قال ابن كثير رحمه الله معلقاً على ما تقدم :" وقول الشافعي له هذه المقالة تعظيم لأحمد، وإجلال له، وأنه عنده بهذه المثابة، إذا صحَّ أو ضعف يرجع إليه. وقد كان الإمام بهذه المثابة عند الأئمة والعلماء، كما سيأتي ثناء الأئمة عليه، واعترافهم له بعلو المكانة؛ في العلم والحديث، وقد بدُر صيته في زمانه، واشتهر اسمه في شبيبته في الآفاق " ( 21 ) . ثمَّ ذكر جملة في فضائله وشمائله وثناء الأئمة عليه . فرحمه الله رحمة واسعة، ورضي عنه، وأجزل له المثوبة . ومن لطيف ما ذكر ابن كثير في ترجمته حديث " نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة" فقد رواه الإمام أحمد عن الإمام الشافعي وعن الإمام مالك ثمَّ ساق الإسناد ( 22 ).