بحث هذه المدونة الإلكترونية

التسميات

الأحد، 12 أبريل 2009

الدرس التاسع في العقيدة- الفصل الثاني




الإيمان بالأنبياء والرسل حقيقته ومقتضياته


الإيمان بالرسل هو الركن الرابع من أركان الإيمان، فلا يصح إيمان العبد إلا به. والأدلة الشرعية متواترة على تأكيد ذلك، فقد أمر سبحانه بالإيمان بهم، وقرن ذلك بالإيمان به فقال: { فآمنوا بالله ورسله } (النساء: 171)




معنى الرسول



الرسول فـي اللغة هو الذي يُتابع أخبار الذي بعثه، أَخذاً من قولهم: " جاءت الإِبل رَسَلاً " أَي: متتابعة، وسُمِّي الرَّسول رسولاً لأَنه ذو رسالة . و الرَّسول: اسم من أَرسلت وكذلك الرِّسالة .
معنى النبي




النبي في اللغة: فعيل بمعنى فاعل ومفعل فهو مُنْبِِئ ومٌنْبَأ، مُنْبِِئ أي مخبر عن الله، ومٌنْبَأ أي مُخبَرٌ من الله، قال تعالى: { قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير }(التحريم:3)، وقال: { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم }(الحجر:49)، فالنبي هو الذي يُخبَر من الله، وهو الذي يُخبِر الناس أي يبلغهم أمر الله ونهيه ووحيه، وقد يكون لفظ ( النبي ) غير مهموز، فيكون من النبو وهو الرفعة والمكانة .
الفرق بين النبي والرسول
اختلف العلماء في التفريق بين معنى النبي والرسول، على أقوال




القول الأول: أنهما سواء أي أنهما لفظان مترادفان، واستدلوا بقوله تعالى: { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي }(الحج:52) فأثبت لهما معاً الإرسال، قالوا: ولا يكون النبي إلا رسولا؛ ولا الرسول إلا نبياً .
ورد هذا القول بأن الله فرق بين الاسمين، ولو كانا شيئاً واحداً لما حسن تكرارهما في الكلام البليغ


.
القول الثاني: أنهما مفترقان من وجه، ويجتمعان من وجه، قال القاضي عياض:" والصحيح والذي عليه الجماء – الجمع - الغفير أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً ". ويدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد في المسند، و الحاكم في المستدرك و ابن حبان عن أبي ذر - رضي الله عنه - أنه قال: قلت: يا رسول الله، كم وفاء عدة الأنبياء ؟ قال : ( مائة ألف، وأربعة عشر ألفاً، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً ) .
إلا أنه وعلى الرغم من اتفاق أصحاب هذا القول على وجود فرق بين النبي والرسول، إلا أنهم اختلفوا في تحديده على أقوال، لعل أرجحها ما ذهب إليه البعض من أن الرسول: من بعث بشرع جديد وأمر بتبليغه، والنبي من أمر بالتبليغ ولكن بشرع من سبقه من الرسل، كحال أنبياء بني إسرائيل الذين كلفوا بتبليغ شريعة موسى عليه السلام .



مراتب الإيمان بالرسل



الإيمان بالرسل ليس على مرتبة واحدة، بل هناك الإيمان المجمل وهو الإيمان بجميع الرسل على وجه الإجمال وبمحمد صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص


.
والإيمان بالرسل يتضمن أمورا:
1- التصديق بنبوتهم وبما جاءوا به من عند الله عز وجل، قال تعالى: { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون { (الحديد:19).
عدم التفريق بين أحد منهم





وجوب العمل بشرائعهم:






اعتقاد عصمتهم في تبليغهم الوحي






الحكمة من إرسال الرسل


:
تتلخص الحكمة في إرسال الله رسله إلى العباد في أمور


:
الأول: إقامة الحجة على العباد، وتبشير المؤمنين بنعيم الله وجنته في الآخرة، وإنذار الكافرين من عذابه وعقابه، قال تعالى: { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما }(النساء:165). وقال صلى الله عليه وسلم مبينا الحكمة من بعثة الرسل: ( ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين ) رواه البخاري ومسلم .
الثاني: إقامة الدين وسياسة الدنيا به، فقد كان الأنبياء هم الساسة الذين يديرون شؤون البلاد والعباد، قال صلى الله عليه وسلم: ( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي ) متفق عليه، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم هو قائد الأمة وأميرها.
الثالث: توحيد الأمة دينيا وسياسيا، وذلك أن انقياد الأمة للرسل يجعلهم يدينون لهم بالطاعة ويتبعونهم فيما جاءوا به من الدين الحق، فتتحقق بذلك وحدتهم الدينية والسياسية.
الرابع: تحقيق القدوة والأسوة العملية، وهذه لها فوائد: الأولى: دحض حجة من قد يزعم أنه ليس في مقدوره تطبيق تلك الشرائع، فيقال له: إن الأنبياء وهم بشر أيضا، قد طبقوا تلك الشرائع ومارسوها عمليا، فكيف يصح القول بأن تطبيقها مما لا يستطاع !!
الفائدة الثانية: تحقيق الأسوة والقدوة للمؤمنين في كيفية تطبيق تلك الشرائع، وكيفية العمل بها، لأن كثيرا من الأمور النظرية تختلف الأفهام في تطبيقها، فيأتي الفعل النبوي فاصلاً ومبيناً.
الفائدة الثالثة: تحقيق الأسوة والقدوة للمؤمنين بحثهم على الإكثار والاستزادة من فعل الصالحات، اقتداء بالأنبياء عليهم السلام، الذين كانوا القدوة في ذلك بسلامة إيمانهم وكثرة أعمالهم الصالحة


.
التوحيد محور دعوة الرسل


ومن الأدلة على تمركز دعوة الرسل حول توحيد الله سبحانه ونفي عبادة من سواه، ما صرح به سبحانه في قوله تعالى:




{ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } (النحل:36) .
هذه هي حقيقة الدين الواحد الذي دعت إليه الرسل، وأُنزلت في سبيل تحقيقه الكتب، دين يدعو إلى إفراد الله بالعبادة ، ونبذ الآلهة الباطلة التي اتخذها البشر سواء أكانت تلك الآلهة حسية كالأصنام والأحجار والأشجار والكواكب، أم كانت معنوية كاتباع الهوى، وتقليد الآباء ونحو ذلك





معجزات الرسل



معجزات الرسل هي الآيات التي أجراها الله على أيديهم تصديقا لهم، وبرهانا على الحق الذي معهم، ولهذا سماها الله في كتابه ( آيات ) أي علامات دالة على صدقهم.
وتأييد الله رسله بالمعجزات من كمال عدله ورحمته ومحبته للعذر وإقامته للحجة على العباد، إذ لم يبعث الله نبياً من الأنبياء إلا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به، قال تعالى : { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط } (الحديد: 25)، وقال تعالى:{ فإن كذبوك فقد كُذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير } (آل عمران:184)، وقال صلى الله عليه وسلم : ( ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة ) متفق عليه .
ومن عظيم حكمة الله عز وجل أن جعل معجزات رسله من جنس ما أبدع فيه القوم المرسل إليهم، إمعاناً في الحجة، وقطعاً للعذر،.















قال شارح الطحاوية رحمه الله تعالى: [ومما ينبغي أن يعرف أن ما يحصل في القلب بمجموع أمور قد لا يستقل بعضها به، بل ما يحصل للإنسان من شبع وري وشكر وفرح وغم بأمور مجتمعة لا يحصل ببعضها، ولكن ببعضها قد يحصل بعض الأمر، وكذلك العلم بخبر من الأخبار؛ فإن خبر الواحد يحصل للقلب نوع ظن، ثم الآخر يقويه، إلى أن ينتهي إلى العلم، حتى يتزايد ويقوى، وكذلك الأدلة على الصدق والكذب ونحو ذلك. وأيضاً فإن الله سبحانه أبقى في العالم الآثار الدالة على ما فعله بأنبيائه والمؤمنين من الكرامة، وما فعله بمكذبيهم من العقوبة، كثبوت الطوفان، وإغراق فرعون وجنوده، ولما ذكر سبحانه قصص الأنبياء نبياً بعد نبي في سورة الشعراء كقصة موسى وإبراهيم ونوح ومن بعده يقول في آخر كل قصة: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:67-68] . وبالجملة فالعلم بأنه كان في الأرض من يقول: إنه رسول الله، وأن أقواماً اتبعوهم، وأن أقواماً خالفوهم، وأن الله نصر الرسل والمؤمنين، وجعل العاقبة لهم، وعاقب أعداءهم؛ هو من أظهر العلوم المتواترة وأجلاها. ونقل أخبار هذه الأمور أظهر وأوضح من نقل أخبار من مضى من الأمم من ملوك الفرس وعلماء الطب كـبقراط وجالينوس وبطليموس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وأتباعه]. يقول: بمجموع دلائل النبوة يقوى التصديق بنبوة ذلك النبي، فالله تعالى يؤيد الأنبياء بمعجزات بمجموعها يعرف به صدق كل واحد منهم، ولو لم يكن إلا معجزة واحدة لتوقف الناس أو بعضهم في الصدق، ولكن إذا تأيدت المعجزة بمعجزة أخرى ثم جاءت ثالثة ثم رابعة وهكذا، فمجموعها بلا شك يثير في النفس انتباهاً، ويكون سبباً في التصديق وقوة اليقين. ثم ضرب لذلك مثلاً؛ بأن الإنسان لا يتأثر بكلمة، ولكن يتأثر بكلمات، وكذلك لا يشبع من لقمة واحدة، ولكن مجموع اللقم يشبعه، لا يروى عادة من جرعة واحدة حتى تجتمع جرعات. وكذلك لا يصدق الإنسان في الأمور الكبيرة بخبر شخص واحد حتى يجتمع عنده أشخاص، فالخبر الأول يثير في النفس انتباهاً، والخبر الثاني يقوي ذلك الذي في النفس، ولا يزال يقوى إلى أن يصير كالشمس يقيناً، فهكذا معجزات الأنبياء بمجموعها يحصل اليقين والتصديق بأن ما جاءوا به من الله تعالى.


بقاء الآيات الدالة على الأنبياء وأقوامهم



وقد ذكر الله أنه أرسل رسلاً من قبلنا، وأبقى آيات تدل على صدقهم، فقال تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الصافات:137-138] يعني: أماكنهم وآثارهم. وقال تعالى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا [النمل:52]، وقال في آية أخرى: فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ [القصص:58] يعني أنهم أهلكوا وبقيت آثارهم، فتلك دلالة على أنه هلك قبلنا أمم كذبت، وأرسل إليها رسل، ونزلت عليها العقوبة، ونجى الله الرسل ومن آمن بهم، وأهلك المكذبين، وذكر الله أن من أولهم نوحاً عليه السلام، وأنه أنجاه في السفينة، فقال تعالى: فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ [العنكبوت:15]. فالحاصل أنا نعلم يقيناً أن أنبياء الله تعالى صادقون فيما بلغوه، وأنهم جاءوا بالشرائع الإلهية التي منها الشريعة المحمدية وأنها والشرائع التي قبلها كلها متفقة على أصل واحد، وهو العقيدة والتوحيد، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] أي: كل منهم جاء بهذه الرسالة، وإنما تنوعت الشرائع في الأوامر والنواهي. فإذاً المسلم يعتقد صحة الرسالة، وأن الرسل صادقون، وذلك ركن من أركان الإيمان.



إخبارهم بما سيكون ووقوعه



قال رحمه الله تعالى: [ونحن اليوم إذا علمنا بالتواتر من أحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم علمنا يقيناً أنهم كانوا صادقين على الحق من وجوه متعددة: منها: أنهم أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم وخذلان أولئك وبقاء العاقبة لهم. ومنها: ما أحدثه الله لهم من نصرهم وإهلاك عدوهم، إذا عرف الوجه الذي حصل عليه كغرق فرعون وغرق قوم نوح وبقية أحوالهم؛ عرف صدق الرسل. ومنها: أن من عرف ما جاء به الرسل من الشرائع وتفاصيل أحوالها، تبين له أنهم أعلم الخلق، وأنه لا يحصل مثل ذلك من كذاب جاهل، وأن فيما جاءوا به من الرحمة والمصلحة والهدى والخير ودلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم، ما يبين أنه لا يصدر إلا عن راحم برٍ يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق]. زيادة على المعجزات التي أجراها الله تعالى على أيديهم هذه الآيات التي ذكرها، إذا تأملها المتأمل صدق بأنها من الله، وصدق بأنهم جاءوا من عند الله، وأنهم مرسلون صادقون فيما بلغوه. فأخبروا بأن الله يهلك المكذبين وينجي المصدقين ووقع ما أخبروا به، فأهلك الله أعداءه وأنجى أولياءه، كما حكى الله تعالى ذلك. وأخبروا بأن الله ينصر أولياءه ويخذل أعداءه، كما في قوله: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:51]، فوقع ما أخبروا به، وأخبروا بأمور مستقبلة لم تقع فوقعت ووافقت ما أخبروا به سواء بسواء، وذلك دليل صدقهم وصحة رسالتهم. وأخبروا بأن هذه الشرائع من الله، وبالتأمل عرف صدقهم، حيث تواتر عن الأنبياء ما يدل على اتفاق شريعتهم، فصدق المتأخر منهم من قبله ووافق ما جاء به، وأيد المتقدم من يأتي بعده.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق